السلام عليكم، من فضلكم ما حكم الابناك التشاركية حسب الصيغة التي تعمل بها في المغرب ؟

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

تضم هذه الأبناك عقودا كثيرة ومن أشهر هذه العقود والتي بدأت العمل بها، (المرابحة للآمر بالشراء). ووجها : أن يقول المشتري للبنك: اشتر بيتا مثلا، أو سلعة صفتها كذا وكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا، ويذكر مقدار الربح، ولا يسلم الثمن في مجلس العقد.

وقد ورد هذا العقد في 16 مادة، وقد بحثتها مادة مادة بتفصيل مطول مع ذكر المذاهب الفقهية وأدلة كل فريق والردود عليها ثم الترجيح.

وقد وافق المجلس العلمي الأعلى على هذا العقد وقال انه يوافق الأحكام الشرعية وذلك بإجماع أعضائه.

وقد تبين لي :

– أن تلك المواد غالبها مختلف فيه بين الفقهاء.

– بعض مواده مخالف لما عليه المذهب المالكي.

– مواد العقد يعمل بها في غالب البنوك الإسلامية اليوم.

– لم يكن هناك اجتهاد بل تقليد لما عليه بعض الهيئات الشرعية.

وقد تبين لي بعد البحث أن العقد مواده موافقة لما ترجح عندي وتوافق الأحكام الشرعية غير مسألة واحدة عكرت عليه وهي :

– الوعد الملزم : وذاك أن البنك يفرض  التوقيع على وعد ملزم لك بالشراء، مع فرض مبلغ مالي يسمى عندهم بـ (هامش الجدية).

وهذا الشرط حرام وسحت لأمور :

1- بيع البنك للمشتري ما ليس عنده، وما لا يملكه البنك، وما لم يقبضه بعد.

2- بيع البنك ما لا يضمن ولا يدخل في ضمانه، فهو ضامن لربحه من المشتري، آمن من خسارته مع المورد.

3- بيع وشرط، فالبنك يبيع سلعة غير موجودة عنده وغير مملوكة له، ويشترط في المقابل على المشتري أخذها بلا خيار يدفع به الضرر والغرر.

4- بيع وربا، فهو يقرض المشتري بربح بصورة بيع، فيشتري السلعة ويضمن ربحه فيها قبل شرائها وقبل بيعها، فخرجت بذلك عن التجارة والبيوع التي هي عرضة للتغابن إلى الربا المضمون .

5- بيع دين بدين، فالمشتري يدخل في الشراء للسلعة بلا مال عنده، فالثمن دين مؤجل عليه للبنك بالتقسيط، والبنك يبيع له سلعة ليست عنده ولا مملوكة لها، فهي مؤجلة إلى توقيع العقد بالوعد الملزم، فكان بيع كالئ بكالئ..

ولتصحيح مثل هذا التصرف يجب أن يكون الوعد بالشراء غير ملزم، ويكون للبنك الخيار من طرف واحد مع المورد للبضاعة، بردها خلال أسبوع مثلا، إذا لم يصرفها، فإن أخذها المشتري، وإلا ردها البنك أو باعها لغيره.

فالذي نراه أنه لا بد من حذف شرط الإلزام ذاك حتى تكون المعاملة موافقة لشرع الله، والوعد الملزم ذاك وعد حرام. ومن أجاز استدل بعموميات لا ترقى لرد النصوص الصريحة.

أما ما ينقل عن المالكية أنهم قالوا بإلزامية الوعد، فخطأ ظهار، فالمالكية يحرمون هذه الصورة، وما ذكر عندهم هو في باب التبرعات لا المعاوضات، وقد حقق قولهم الصادق الغرياني وقال:”فالاستدلال بكلام المالكية في الوفاء بالوعد على جواز جعل الوعد ملزما في عقد المرابحة للآمر بالشراء، من الاستدلال بالكلام في غير موضعه وخارج سياقه، إذ الأول محله في كتبهم باب العِدَة والتبرعات، والثاني محله بيوع العينة والآجال، وقطع الكلام عن سياقه يفسد معناه، فهو كمن يقرأ(فويل للمصلين) أو (لا تقربوا الصلاة) ويسكت”.انتهى.

قال الدكتور محمد الأشقر: “ولم نجد أحدا من العلماء السابقين قال بهذا القول بعد التمحيص، وبعد التعب في البحث، ونسب إلى المالكية وإلى ابن شبرمة القاضي، ولا تصح هذه النسبة”(بيع المرابحة (ص 11).

بل تكاد أن لا تجد أحدا قاله به، قال الشيخ نزيه حماد:”لم ينقل عن أحد منهم -يعني من الفقهاء- قول بأن في المواعدة قوة ملزمة لأحد المتواعدين، أو لكليهما؛ لأن التواعد على إنشاء عقد في المستقبل ليس عقدا”(مجلة مجمع الفقه الإسلامي (5/ 2/ 935).

جاء في (قرار مجمعِ الفقهِ الإسلامي (40 – 41 ): ” المواعدةَ الملزمةَ في بيع المرابحة تشبه البيعَ نفسَه ، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الإنسان ما ليس عنده “.

ثم إن مخاطرة نكول المشتري عن الشراء تعد كأي مخاطرة يتحملها التجار عادة، فمن طبيعة أي تجارة التعرض للربح والخسارة .

 

فالحاصل  هذه الأبناك وقع فيها خلاف بين علماء المغرب كما قلنا ، وهو خلاف قديم بين من سبقنا لهذه الأبناك، ونحن نعطي خلاصة ما نذهب إليه :

 

– هامش الجدية، محل خلاف، والذي ندين الله به أنه غير مباح ووجه ذلك : أنك تدفع مالا مقدما للبنك وهو لم يشتر البيت أصلا، فهو تحايل على بيع ما لا يملك. البعض يقول بأن العقد غير ملزم، وحقيقة هو كذلك، ففي حال تراجعك عن البيع يتم اقتطاع مبلغ الضرر الناتج عن التراجع، فأنت حقيقة ملزم بالشراء فإذا لم تتمه خسرت من مالك. فلو وجدت بيتا أرخص عند غيرهم ما استطعت التراجع لأن البنك سيقتطع من ذاك الهامش، وأستغرب حقيقة كيف لا يكون ملزما .

– الغبن : وهو الربح الفاحش جدا، مما يستحيل معه أخذ قرض منهم مع الشروط الصعبة مقارنة مع البنوك الربوية، وأعرف شخصا اشترى بيتا يمنه 50 ميلون، بزيادة 35 مليون، مقابل 23 فقط للبنك الربوية، مع مبلغ شهري يربو عن 3500 درهم، لكن مع ذلك هذه الزيادة الفاحشة لا علاقة لها بالربا، وإنما هي إنهاك لكاهل المواطن المسكين وهذا فعل محرم وطريق للاغتناء من غير المصدر الحلال، وهو مظهر من مظاهر الرأسمالية التي الغنى المال في طبقة واحدة. نعم هناك إكراهات لكن لا تعفيها من الإثم.

 

– هذه الأبناك لا تشترط تأمينا، وهذا امر طيب، لأن التأمين المعروف اليوم محرم كما سنبين مستقبلا إن شاء الله. لكن مع عدم وجود تأمين تكافلي الأمر أكثر صعوبة.

 

فمن كان يثق في عالم وقلده فله ذلك، شرط أن يكون ثقة فعلا ولا تؤثر عليه بعض المؤثرات الدنيوية، ومن كان يفهم الأدلة فهي أمامه. وعني فلا أبيح لنفسي التعامل معها على صورتها هذه إلا لحاجة ماسة. ونتمنى أن تتغير وتتحسن فسرتفع حرجا عن الكثير.

الكاتب، رابطة علماء المغرب العربي

رابطة علماء المغرب العربي
رابطة علماء المغرب العربي

تجمعٌ، علميٌ، دعويٌ، إصلاحيٌ، منظمٌ، يضم مجموعة من علماء الشريعة ببلاد المغرب العربي، تساعدهم لجان تضم استشاريين وخبراء وباحثين في مختلف المجالات، تسعى لتوجيه الأمة الإسلامية وإرشادها، وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها، بما يتوافق مع منهج أهل السنة والجماعة وخصائص البلاد المغاربية.

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.