قصيدة “الحَادِثُ الجَلَلُ” في رثاء الشيخ محمد زحل – د. عبد الهادي حميتو

img

الحَادِثُ الجَلَلُ

عبد الهادي حميتو

نَاعٍ نَعَاكَ فما أَبْقَى على أمَلِ
***
وأذْهَلَ الرُّزْءُ مَن بالسَّهْل والجَبَلِ
وكَبَّر الناسُ مِن بَدْوٍ وحاضرةٍ
***
إنا إلى الله في الرُّجْعى وفي القَفَلِ
قَالوا: قَضى – زُحَلٌ حَبْرُ الحديث فيا
***
هَوْلَ الفَجيعةِ للإسلام في زُحَلِ
أَوى إلى ربِّه مِن بَعد مَلْحَمَةٍ
***
مَعَ المُعاناةِ من ضُرٍّ ومِن عِلَلِ
أَوى إلى ربه من بَعد ما عَجَمَتْ
***
منهُ الحوادثُ عُودًا غيرَ ذي مَيَلِ
أوى إلى ربه من بَعد ما خَبَرَتْ
***
منهُ المُلِمَّاتُ طَوْدًا غَيْرَ ذي حَوَلِ
كَمْ أَزْعَجَتْ وَقَفاتٌ مِنهُ كانَ بِها
***
صَلْبَ الصَّفَاةِ بِلا وَهْنٍ وَلَا دَغَلِ
كَمْ عَزْمَةٍ في سبيلِ الله صَادِقَةٍ
***
يَدْعو إلى الله في الأَصباح وَالأُصُلِ
كَمْ قادَ نهضةَ إصْلاحٍ فنَالَ أذىً
***
وذاق مُرَّ الجَنَا في العِلْم والعَمَلِ
سِتُّونَ عامًا عطاءً غيرَ مُنْقَطِعٍ
***
يَسْطُو بِعَضْبِ لِسانٍ غَيرِ مُنْخَذِلِ
يُعَلِّمُ الجيلَ بعد الجيلِ مُغْتَرِفًا
***
مِنْ بَحْرٍ عِلْمٍ أصيلٍ غيرِ ذي دَخَلِ
قَدْ بَذَّ في الفقهِ والآثارِ مَن حَمَلوا
***
علمَ الشريعةِ مَنْخولا بِلا خَلَلِ
وغاصَ في النَّحو والآدابِ قاطبةً
***
وصار في كلِّ فَنٍّ مَضْرِبَ المَثَلِ
وَعى الخُلاصةَ مَتناً والشروحَ لها
***
حِفْظاً ولاميةَ الأفعالِ والجُمَلِ
وما تَضَمَّنَهُ المُغني وشارِحُه
***
من الشواهدِ والإِعرابِ والمُثُلِ
أمَّا البخاريُّ والكُتْبُ الصحاحُ فما
***
فيها يُباريهِ ذو حِذْقٍ بِهِنَّ حَلِي
والفقهُ في الدين والفُتيا وعارِضَةٌ
***
في الشاعِريَّةِ مِن وصفٍ ومِن غَزَلِ
إلى يَراعٍ كَسَيْلٍ حِينَ يُرسلُه
***
ومِقْوَلٍ صارِمٍ في مَنْطِقٍ جَدِلِ
وكَمْ فَرائدِ “فُرْقانٍ” تَقلَّدَها
***
حَلَّتْ لَديْهِ مَحَلَّ الحَلْيِ والحُلَلِ
وكَمْ على النَّشءِ في البيضَاءِ كان له
***
بِيضُ الأيادي وكم أسداهُ مْن نَفَلِ
واليومَ وافاهُ ما وافاهُ مِن أَجَلٍ
***
وكُلُّ مَن فوقَها ماضٍ إلى أجَلِ
فمن يكنْ وَجِلاً مِن فَقْدِ ذي مِقَةٍ
***
فَلْيَعْتَبِرْهُ بهَذا الحادثِ الجَلَلِ
ومَن يكنْ باكياً فلْيَبْكِ مثلَك أوْ
***
لِيَدَّخِرْ دَمْعَهُ إنْ كُنتَ ذا مَثَلِ
+ + + + + +
يَا صاحِبِي ورَفيقَ الدرْسِ في زَمَنٍ
***
كُنَّا به زَمَنَ التحصيلِ في جَذَلِ
نَغْدُو خِماصاً وفي الحَمْراءِ مَسْرحُنا
***
فنصرفُ اليومَ في عَلٍّ وفي نَهَلِ
كانَ ابنُ يوسفَ بالحمراءِ مَعْكِفَنا
***
على المعارفِ في شَدٍّ وفي مَهَلِ
نَرتادُ في حِلَقِ الأشياخِ ما حَفَلَتْ
***
به ونَشْتارُ فيها أَطْيبَ العَسَلِ
حتى إذا ما قَضى كلٌّ لُبانَتَهُ
***
ونالَ مِن مُبتغاهُ غايةَ الأَمَلِ
وَلَّى لِطَيَّتِهِ والصدْرُ مُمْتَلِئٌ
***
من العلوم مُحَلَّى الجِيدِ عَنْ عَطَلِ
يا عَالِما مَلَأَ “البَيْضَا” بِصَوْلَتِهِ
***
قَدْ نَوَّرَ الدُّورَ والأرجاءَ بالشُّعَلِ
فما حَلَلْتَ مِنَ “البيضاء” حَضْرَتَها
***
حَتَّى نَهَضْتَ بها كالفاتِحِ البَطَلِ
تَجْلُو بها عَن عُيونِ الناسِ أَغْشِيَةً
***
من الجهالاتِ قد غَطَّتْ على المُقَلِ
فَسُدْتَ بالعلمِ فيها غَيْرَ مُزْدَحَمٍ
***
وذاع صيتُكَ في الأَصْقاعِ وَالحِللِ
أَوْدَعْتَ فيهَا غِراسًا ظَلَّ تَصْحَبُهُ
***
منكَ العنايَةُ حتى فُزْتَ بالخَصَلِ
فاليومَ وَدَّعَتِ البيضاءُ فيكَ أبًا
***
وَأُمَّةً وَحْدَهُ في الفَضْلِ والنُّبُلِ
هيَ الخَسَارَةُ ما عنْ مِثْلِهَا عِوَضٌ
***
ولاَ لَهَا عنكَ في الأَخْلاَفِ مِنْ بَدَلِ
كذاكَ موتُ خِيارِ النَّاسِ مَرْزَأَةٌ
***
وفقْدُ مِثْلِكَ فينا عُضْلَةُ العُضَلِ
فَنَمْ هنيئاً فقدْ أَبْلَيْتَ مُحْتَسِباً
***
في الله مِنْ بَعْدِ عُمْرٍ صالحٍ خَضِلِ
والزُّهْدِ في مُتَعِ الدُّنيا وزينَتِها
***
ولَمْ تُبَلْ بمتَاع المالِ والخَوَلِ
لكنْ تَبَلَّغتَ منها غيرَ مُكْتَرِثٍ
***
وعِشْتَ عَنْها كما خِلْناكَ في شُغُلِ
فالله في الصالحين مِنْ بَرِيَّتِهِ
***
والعلماءِ والأنبياءِ والرُّسُلِ
يُعْلِي مَقَامَكَ في دار المُقامَةِ في
***
مَنازِلِ الخُلْدِ في الجَنَّاتِ والظُّلَلِ
وَأَحْسَنَ اللهُ عُقْبَى شَيْبَةٍ سَكَنَتْ
***
تحتَ التُّرابِ وكانتْ مَوْضِعَ القُبَلِ
وجَبْهَةٍ طالَما للهِ قدْ سَجَدَتْ
***
عادتْ إلى ربِّها في مُنْتَهَى الأَجَلِ
سَحَّتْ عَلَيْكَ مِنْ الرَّحْمنِ غَادِيَةٌ
***
تَهْمِي عَلَيْكَ بِرَيَّا الْوَرْدِ وَالنَّفَلِ
وأَكْرَمَ اللهُ مَثْوىً قدْ حَلَلْتَ بِهِ
***
وَلاَ تَزَلْ مِنْ عُلاَ الفِرْدَوْسِ في نُزُلِ
نَدْعُو لَكَ اللهَ لا نَأْلُواْ بِأَجْمَعِنا
***
عِلْمًا باَنَّا عَلى الآثارِ والسُّبُلِ

أكادير في:
05 ذي الحجة 1438هـ /27 عشت 2017م.

الكاتب، رابطة علماء المغرب العربي

رابطة علماء المغرب العربي
رابطة علماء المغرب العربي

تجمعٌ، علميٌ، دعويٌ، إصلاحيٌ، منظمٌ، يضم مجموعة من علماء الشريعة ببلاد المغرب العربي، تساعدهم لجان تضم استشاريين وخبراء وباحثين في مختلف المجالات، تسعى لتوجيه الأمة الإسلامية وإرشادها، وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتها، بما يتوافق مع منهج أهل السنة والجماعة وخصائص البلاد المغاربية.

مواضيع متعلقة

اترك رداً